أولى

نتنياهو في عمّان…

 

‭}‬ سعادة مصطفى أرشيد*
ارتبط الأردن بعلاقة وتحالف مع حزب العمل «الإسرائيلي»، الذي أقام دولة «إسرائيل» وخاض حروبها منفرداً حتى عام 1977، وقيل الكثير عن علاقات جمعت الملك المؤسس مع شاريت وغولدا مائير، ولكن علاقة الأردن باليمين «الإسرائيلي» الذي يحكم اليوم، ويبدو أنّه سيبقى في موقع الحكم في المنظور من الزمن لم تكن طيبة، وذلك يعود إلى أسباب هي في الأساس عقائدية عند مجموع اليمين الذي يرى أنّ دور الأردن كدولة وكعرش قد انتهى واستنفد أغراضه، وأنّ مكان الدولة الفلسطينية (أو دولة للفلسطينيين بغضّ النظر عن اسمها) هو في الأردن، ويجب أن يحلّ مكان المملكة الأردنية الهاشمية، لذا شهدت العلاقات الأردنية ـ «الإسرائيلية» توترات متفاوتة في حدّتها، وصلت ذروتها في العلاقة ما بين العرش ونتنياهو سواء في عهد الملك الراحل، والتي تفجّرت إثر محاولة اغتيال رئيس مكتب حماس السياسي في العاصمة الأردنية عام 1997، كما في عهد الملك عبد الله الثاني منذ حوالي الشهر في خطاب له على ضفة النهر، حيث بدا وكأنه على وشكّ إعلان الحرب إثر تشكيل نتنياهو لحكومته السادسة، وبرنامجها الواضح تجاه حسم ملفات الصراع الرئيسية وأوّلها ملف القدس والدور الأردني فيه. بدا ذلك بالتصعيد «الإسرائيلي» من خلال زيارة بن غفير للمسجد الأقصى، ثم في محاولة عرقلة دخول السفير الأردني للحرم القدسي والتطاول عليه جسدياً، بذريعة أنّ عليه أخذ الإذن بشكل مسبق من الشرطة «الإسرائيلية»، وذلك في ما كانت قمة تعقد في القاهرة بين قادة فلسطين والأردن ومصر، لبحث تداعيات تسلّم هذه الحكومة موقعها.
في غمرة التوتر الشديد قام وزير الأمن «الإسرائيلي» بزيارة سرية للأردن لم يعلن عنها (حسب موقع كان 11 العبري)، واجتمع بالعاهل الأردني بهدف تهدئة الأجواء التي أعقبت التوترات، ونجاح زيارة الوزير في رحلته تمّت ترجمتها أول أمس الثلاثاء في زيارة غير متوقعة قام بها نتنياهو إلى عمّان، وهي الأولى منذ خمس سنوات وعقد لقاء مطولاً مع الملك عبد الله الثاني، وصفته المصادر العبرية بالإيجابي وأنه امتدّ لفترة طويلة تفوق ما كان برنامج اللقاء قد خطط له، وذلك تعبيراً عن الانسجام الذي ساد اللقاء.
صدر إثر اللقاء بيان عن الديوان الملكي الأردني وبيان آخر عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، بيان الديوان تحدث عن ضرورة احترام الوضع القانوني والتاريخي القائم في المسجد الأقصى وعدم المساس به (تمّ تخصيص المسجد دون القدس)، ثم على ضرورة الالتزام بالتهدئة، ووقف أعمال العنف لفتح المجال أمام الأفق السياسي والتفاوضي، ثم على حلّ الدولتين الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس، والتي تعيش بسلام إلى جانب دولة (إسرائيل). وكان ما تقدّم هو الجزء النمطي الذي نقرأه في البيانات عامة، أما الجزء الخاص فقد جاء على أنّ الطرفين بحثا العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، وعلى ضرورة استفادة الشعب الفلسطيني من المشاريع الاقتصادية والإقليمية. وهذا ما يعبّر من جانب عن القلق المشترك من قيام انتفاضة ثالثة تؤثر سلباً على عمّان ورام الله وتل أبيب، وعلى إشارة لدور قد يلعبه نتنياهو لدى السعودية والإمارات باتجاه توفير الدعم المادي لكلّ من الأردن والسلطة الفلسطينية.
بيان مكتب نتنياهو إذا قرأناه بعيداً عن العموميات وعن ما يتعلق بالقدس، واحترام الحكومة «الإسرائيلية» للأوضاع القائمة فيها (ذكر القدس لا المسجد الأقصى كما في بيان الديوان الملكي)، فقد ركز البيان أنّ اللقاء كان تعبيراً عن عمق العلاقة الأمنية بين أجهزة البلدين، وعلى أهمية الحديث في القضايا الإقليمية، وكانت النقطة الأهمّ أنّ الفريقين أكدا على التعاون الاستراتيجي والأمني والاقتصادي بين الجانبين، بما يساهم في استقرار المنطقة، وهي المسألة التي تحتاج إلى شرح.
ورود كلمة استراتيجية هو عنوان الزيارة الأوّل والأهمّ، هل يعني التعاون الاستراتيجي العودة إلى تصعيد مع إيران والحديث عن الهلال الشيعي، وباعتباره المشروع النقيض المطروح كنقيض تناحري مع المشروع «الإسرائيلي»، ثمة لبس وتناقض بين التوافق الاستراتيجي المذكور في البيان وبين الأمر الواقع، ففي واقع الأمر أنّ نتنياهو لن يغيّر في نظرته وعدائه للأردن وقد اعتاد أن يلزم الآخرين بتعهّداتهم، ولكنه لا يلزم نفسه أو حكومته، وإنْ هي إلا فترة قصيرة وتتحفنا التسريبات للصحافة «الإسرائيلية» بتفاصيل اللقاء؛ هذا ما ستجيب عنه مقبلات الأيام.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى