أولى

أميركا في الشرق الأوسط: سياسة عدوانية وخسائر تراكمية

‬ العميد د. أمين محمد حطيط*

مع الساعات الأولى التي أطلقت فيها «إسرائيل» عدوانها على قطاع غزة إثر العملية البطولية الفريدة من نوعها التي شنتها المقاومة الفلسطينية تحت تسمية «طوفان الأقصى»، مع تلك الساعات حضر قادة الغرب على عجل الى «إسرائيل» وأبدوا كلّ أنواع الدعم والمساندة للكيان الصهيوني، وكان على رأسهم جو بايدن رئيس الولايات المتحدة الأميركية الذي حدد بوضوح موقف وسياسة أميركا في المسألة بأمور ثلاثة هي «الدعم المطلق لـ»إسرائيل» في حربها على غزة لاجتثاث المقاومة منها”. وإحداث مشهد في القطاع “يناسب أمن غلاف غزة”، و”حصر النزاع والقتال في غزة تحت شعار عدم توسيع الحرب” بما يوفر لـ “إسرائيل” ظروف تركيز الجهد العسكري في قطاع غزة على أن تتكفل أميركا بدفع الأخطار الأخرى وعلى كل الجبهات وتمنع إشراك أطراف إقليمية أخرى فيها نصرة لغزة.
ظنت أميركا انّ هيبتها وقوتها العسكرية وشبكة علاقاتها الدولية في المنطقة الموسومة بتبعية معظم الانظمة الرسمية العربية للقرار الأميركي، ان كل ذلك سيحقق لها ما تبتغي، وانطلق وزير خارجيتها المفاخر بوقاحة بيهوديته قبل كونه وزيراً للخارجية الأميركية، انطلق جوالاً في دول المنطقة “فارضاً” عدم التدخل وضاغطاً لاستقبال مليون فلسطيني سيُهجّرون من غزة. ترافق ذلك مع جسور لوجستية جوية وبحرية أقامتها أميركا لتزويد الكيان الصهيوني بما يزيد عن حاجاته من الأسلحة والذخائر الفتاكة والمحرّمة دولياً لتمكين “إسرائيل” من تنفيذ الإبادة الجماعية التي مارستها في قطاع غزة، كما منعت أميركا عبر الفيتو مجلس الأمن من اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار ووقف العدوان ووضع حدّ للإبادة الجماعية في القطاع.
بيد أن حساب بيدر الواقع المقاوم للعدوان لم يتوافق مع حساب حقل التقدير الأميركي الاستراتيجي والعملاني والسياسي، حيث إنّ قوى المقاومة في المنطقة بفصائلها المسلحة وقيادتها الموجّهة وبيئتها الحاضنة كان لها كلام آخر يناقض الآمال والتمنيات الأميركية في أكثر من وجهة وعلى أكثر من مسار.
ففي الوقت الذي سعت فيه أميركا لحصر النزاع والصراع والمواجهة القتالية في ميدان غزة لتتمكّن “إسرائيل” من الاستفراد بالمقاومة الفلسطينية فيها، كان لمحور المقاومة قول آخر في الميدان، حيث إن المقاومة الإسلامية في لبنان أطلقت في اليوم التالي لبدء العدوان الصهيوني على غزة، صواريخها الحاملة لرسالة قاطعة تقول فيها للمقاومة الفلسطينية في غزة “لن نترككم وحدكم” وبعد أيام كان الزلزال الاستراتيجي ينطلق من اليمن حيث كان قرار أنصار الله الحوثيين قاطعاً وصارماً بإقفال البحرين العربي والأحمر وبينهما باب المندب بوجه الملاحة التي تؤمّن خدمة أو مصلحة لـ “إسرائيل”، إقفال يبقى قائماً ما دام حصار “إسرائيل” لقطاع غزة قائماً مع إبقاء الممرات المائية مفتوحة بوجه الملاحة الدولية لا تمسّ. فشكل هذا القرار الذي سرعان ما وضع موضع التنفيذ مفاجأة صادمة لأميركا التي لم تكن تفكر به يوماً أو تتوقعه لا من قريب ولا من بعيد.
أما المفاجأة الثالثة الكبرى، فقد جاءت من فصائل المقاومة العراقية التي كان لها موقف متمايز عما سبق، حيث وجهت نارها إلى قواعد الاحتلال الأميركي في سورية والعراق وصولاً الى الأردن، نار حملتها الصواريخ والمُسيّرات التي أطلقت من اجل أن تحدث ضغطاً على أميركا وتالياً على “إسرائيل” لوقف الحرب – العدوان على غزة. الحرب التي منعت أميركا وقف نارها وتصرّ على تمكين “إسرائيل” من متابعة إجرامها المتعدّد الأشكال، من جرائم الحرب الى جرائم ضدّ الإنسانية وصولاً الى جريمة الإبادة الجماعية التي حركت الضمير العالمي وقادت “إسرائيل” الى محكمة العدل الدولية لتلاحق بمقتضاها وفقاً للدعوى التي تقدّمت بها دولة جنوب أفريقيا.
لقد أسقطت الجبهات التي فتحتها مكوّنات محور المقاومة من لبنان الى سورية والعراق وانتهاء باليمن، أسقطت استراتيجية الاستفراد الأميركية، وعطّلت تطبيق مقولة “إسرائيل” في عقيدتها القتالية المتضمّنة “الحرب على جبهة واحدة وتثبيت باقي الجبهات”، ورسمت حدود مسرح عمليات مقاوم فيه الجبهة الرئيسية في قطاع غزة، والجبهات المساندة في لبنان واليمن وسورية والعراق ما أحرج أميركا وحملها على اتخاذ قرارات تغاير مقولتها بـ “عدم توسيع الحرب” حيث انها ردّت في العراق وقصفت الحشد الشعبي العراقي وهو جزء من القوات المسلحة العراقية الرسمية، أما في مواجهة اليمن فقد شكلت تحالفاً دولياً هزيلاً بقيادتها وأناطت به مهمة فتح الممرات المائية أمام الملاحة الدولية وهي تعني بالعبارة فتح الممر أمام الملاحة الإسرائيلية لأنّ الملاحة الدولية حرة لا يعترضها أحد.
لقد جاءت قرارات أميركا حيال اليمن وفي العراق مغايرة لمقولة “عدم توسيع الحرب” ومؤكدة أنّ أميركا هدفت من هذا العنوان الى استفراد قطاع غزة وليس الحرص على أمن المنطقة وهدوئها. وأثارت هذه القرارات العدائية بوجه أميركا ما لا تحب سماعه.
ففي الاتجاه العراقي حركت المقاومة العراقية ملف الوجود الأميركي بقيادة التحالف الدولي ضدّ داعش، وتلقفت الحكومة العراقية الأمر ودعت الى تفاوض لوضع جدول زمني ينهي التحالف الدولي ذاك ويضع حداً للوجود الأميركي، مواقف أحرجت أميركا ووضعتها بين خيارين: إما الاستجابة للمطالب العراقية والخروج وفقاً لجدول زمني يتفق عليه او رفض المطالب والتصرف كقوات احتلال تتلقى ضربات المقاومة التي ستخوض ضدها حرب استنزاف من أجل التحرير، وكلا الخيارين سيّئ بالمنظور الأميركي.
أما على الاتجاه اليمني فقد أحرجت القوات المسلحة اليمنية أميركا وبريطانيا وهما أساس التحالف في البحر الأحمر، ورفعت درجة الإحراج إلى سقف عالٍ بالضربة التي أحرقت فيها النار اليمنية سفينة بريطانية، ووضع التحالف المزعوم بقيادة أميركا وهو يدّعي انه جاء لفتح الممرات المائية امام الملاحة الدولية بين خيارين: خيار الاشتباك مع اليمن وتحويل البحر الأحمر الى منطقة عمليات قتالية ما يقود الى إغلاقه كلياً بوجه الملاحة الدولية، او قيام أميركا بغزو اليمن وتنفيذ عملية احتلال للبر اليمني. وكلّ عاقل يقول هنا باستحالة نجاح أميركا القيام بهذه المهمة، فاليمن مقبرة الغزاة وجباله تبتلع كلّ معتد أثيم.
أما الصدمة الكارثية الكبرى فقد تلقتها أميركا على يد المقاومة العراقية التي استهدفت منذ يومين قاعدة عسكرية أميركية في الأردن قريبة من الحدود السورية والعراقية، حيث أدّت عملية المقاومة الى مقتل ٣ عسكريين وجرح ٣٤ جندياً أميركياً ووضعت أميركا أمام خيارات صعبة جداً.
فأميركا التي توعّدت بالردّ وحمّلت المسؤولية عن الهجوم لـ “مليشيات عراقية مدعومة من إيران” تجد نفسها ملزمة بالردّ من جهة، وتخشى الردّ الواسع الذي قد يقود الى تدحرج الأمور الى مواجهة واسعة في المنطقة يحوّلها الى حرب إقليمية تتورّط فيها أميركا التي خاض رئيسها معركته الانتخابية في العام ٢٠٢٠ تحت عنوان “إقفال جبهات القتال في الشرق الأوسط” فكيف يمكنه في سنته الانتخابية لتجديد ولايته أن ينقلب على شعاره؟ ولذلك قد يكون مرجحاً أن تقوم أميركا بردّ لا يورّطها بحرب واسعة ولا يستدرج آخرين الى ردود أقسى وأشدّ وكلها مسارات لا تناسب الهيبة الأميركية.
في الخلاصة نجد أنّ أميركا ومنذ بدء عدوان “إسرائيل” على غزة إثر عملية طوفان الأقصى، تلتزم بسياسة عدوانية ضدّ المنطقة وشعوبها، وتتوخى الانصياع لها لكن الميدان أثبت خطأ التقدير لا بل سوء التقدير الأميركي في الوجوه الاستراتيجية والسياسية والعملانية ما وضع أميركا في موضع الإحراج الذي يفرض عليها الاختيار بين السيّئ والأسوأ والعمل باستراتيجية تحديد الخسائر، بعد أن هشمت المقاومة هيبتها وعطلت مناعتها الدفاعية ووضعتها أمام مستقبل محتوم هو خسارة معظم مكاسبها في المنطقة، وأكدت أنّ سوء التقدير يقود إلى القرارات الخاطئة ويفضي الى نتائج خاسرة بكلّ تأكيد…

*أستاذ جامعي – وباحث استراتيجي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى