أولى

أبعاد نشر واشنطن قنابل نووية تكتيكية جديدة

} د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

  أعلنت الولايات المتحدة، في مطلع الشهر الحالي، «إنتاجها» الدفعة الأولى من أخطر وأحدث سلاح نووي في ترسانتها؛ رأس حربي من طراز B61-12، وهو عبارة عن «سلاح نووي استراتيجي وتكتيكي» في آن واحد، من أجل إظهار «التزام الولايات المتحدة سياسة الردع النووي»، بعد جهود تصميم وتطوير وأبحاث استغرقت 9 سنوات «من أجل ضمان القدرة على إطلاق الرأس النووي من المقاتلات الحربية المتوفرة والمستقبلية» (جيل روبي، نائبة وزير الطاقة ومديرة «الإدارة الوطنية للأمن النووي»، 2 كانون الأول/ ديسمبر 2021).

 يخطط البنتاغون لإنتاج «480 قنبلة نووية جديدة (B61-12)» من تلك القنبلة المجنّحة، ومعدّل تكلفة الواحدة منها 28 مليون دولار، وهي موجّهة بدقة، ونسبة الخطأ لا تتعدى عدة أمتار. وتخطط وزارة الدفاع الأميركية لتجهيز قاذفاتها وقاذفات حلف الناتو في أوروبا بها، لتكون بديلاً عن النماذج القديمة (B61-3 وB61-4)».  يتم إسقاط القنبلة الجديدة من مقاتلة تحلق على ارتفاعات عالية، ثم تتوجه تلقائياً عدة كيلومترات نحو الهدف. كما تمتلك الولايات المتحدة «100-150 قنبلة نووية حالياً في أوروبا» (تقرير لاتحاد العلماء الأميركيين FAS، 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2021).

 المؤسسة العسكرية الأميركية «أدمنت اقتناء الأسلحة النووية» والجاهزية لاستخدامها، منذ دخولها الحرب العالمية الثانية، واستخدمت إفناء البشرية بالنووي كأحد أسلحتها للسيطرة على العالم. وتشهد الحقبة الزمنية الحالية عودة واشنطن إلى عقلية الحرب الباردة، أو تجديد عملها بها، لكن بأدوات أشد فتكاً وتدميراً، مدركة أن ميّزات سيطرتها على العالم، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بدأت تظهر عليها علامات التصدع، وانتقال مركز الثقل الاستراتيجي العالمي الأوحد إلى المتعدد القطبية.

 ومنذ بدء الحرب الباردة، بحسب وثائق الدولة الأميركية، تعهّدت واشنطن نشر اسلحة نووية مختلفة على أراضي حلفائها في حلف الناتو من الأوروبيين، ونشرت نحو 200 قنبلة، ومن بين هؤلاء الحلفاء تركيا التي استضافت ولا تزال 50 قنبلة نووية من طراز B61 في قاعدة انجرليك الجوية، في مواجهة الاتحاد السوفياتي. دخل نموذج القنبلة أعلاه الخدمة الفعلية في عام 1966، وبلغ حجم الانتاج بين عامي 1966 و 1997 (3،155) قنبلة، من جميع الأنواع الاستراتيجية والتكتيكية (مجلة «ناشيونال انترست»، 7 تشرين الأول/ اكتوبر 2021).

 في الماضي القريب، في إبان ولاية الرئيس جون كنيدي، عبّر وزير دفاعه روبرت مكنمارا عن ولع قادة هيئة الأركان المشتركة بالسلاح النووي، موجِّهاً كلامه إلى المستشار الخاص للرئيس كنيدي، آرثر شليسنجر، قائلاً «تزخر سجلات البنتاغون بدراسات تتحدث عن الحفاظ على «مجتمع قابل للاستمرار بعد نهاية نزاع نووي». وأضاف مكنمارا أن ذاك المصطلح ترك أثراً كصاعقة نفسية لديه، موضحاً «أن وسيلة ردع فعّالة لا يمكنها الاستناد إلى فعل «نووي» أمر لا يصدّق» («جون أف كنيدي في مواجهة العسكر»، شهرية «ذي أتلانتيك»، آب 2013).

وأضافت المجلة المذكورة أن قادة هيئة الأركان المشتركة، في إبان الحرب الباردة، كانوا على أهبة الاستعداد لإطلاق ضربة نووية وقائية أولى ضد الاتحاد السوفياتي، وحملت خطة الأركان المعدّة تصوّرها «باستخدام 170 قنبلة نووية وهيدروجينية ضد موسكو وحدها، وتدمير كل معلم حضاري في الاتحاد السوفياتي والصين ومدن في أوروبا الشرقية».

 واستطردت أن قائد سلاح الجو الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، وعضو هيئة الأركان المشتركة، كيرتس لو ماي، كان العقل المدبر والمشرف على شن غارات جوية بالقاذفات العملاقة من طراز ب-29، والتي مسحت تماماً أحياء كاملة في طوكيو وتسببت بمقتل ما لا يقل عن 100،000 ياباني.

 المواصفات التقنية للعيّنة الجديدة من القنبلة، والتي طُوّرت في إبان الحرب الباردة ونُشرت في أوروبا في عام 1968، تشير إلى أن: وزنها الإجمالي يبلغ 320 كلغم؛ وطولها 3،5 أمتار؛ يتمتع رأسها الحربي بقوة خرق لطبقات الأرض بقوة 50 كيلو طناً (كمقياس لمادة التفجير «تي إن تي»)؛ يمكنها إحداث حفرة في الأرض قطرها 60 متراً؛ تطلق من المقاتلات الحديثة، من بينها أف-15 إي و أف-35 الأسرع من الصوت، إمّا عن طريق الجاذبية الباليستية وإمّا بالتوجيه، من ارتفاعات تتراوح بين 50 و 50،000 قدم؛ ذيلها مزوّد بأربع زعانف للتحكّم الأفضل بدقة إصابتها. يقع رأسها الحربي في الجزء الأوسط من القنبلة، ويتيح التحكم في 4 خيارات لقوة التفجير: 0.3 كيلوطن، 1.5 كيلوطن، 10 كيلوطن و50 كيلوطن. للمقارنة، فإن القنبلتين النوويتين اللتين أُلقيتا على هيروشما وناغازاكي كانت قدرتهما التفجيرية 15 طناً و 21 طناً، على التوالي.

بحسب الخبراء العسكريين، فإن القنبلة الجديدة، في نماذجها الأربعة، تصنّف بأنها متدنية القوة لأن قوة التفجير تقلّ عن 20 كيلوطناً. ويضيف خبراء البنتاغون أنها لا تتعارض مع معاهدة الحد من الانتشار النووي كونها لا تحتوي على عنصري اليورانيوم عالي التخصيب أو البلوتونيوم.

أوضحت بيانات وزارة الدفاع الأميركية أن الغرض من تطوير النسخة الحديثة من عائلة القنبلة B61 هو «لتحسين القدرات النووية للقوات الجوية الأميركية والدول الحليفة، وزيادة معايير السلامة والأمان والموثوقية»، وهو جزء من برنامج «تمديد الحياة» لتلك المجموعة المكونة من نحو 400 قنبلة، والتي استبُدلت وأُصلحت مكوناتها القديمة غير النووية، مثل البطاريات والصمامات وأجهزة إلكترونية، بمكونات حديثة تمدد عمر خدمة القنبلة إلى نحو 20 سنة مقبلة.

 شاركت في التصميم والتحديث والانتاج مجموعة من المختبرات وشركات الأسلحة والمؤسسات الأمنية، منها: مختبر لوس ألاموس الوطني ومختبر سانديا الوطني في تصميم وأعمال هندسة القنبلة؛ تطوير مجموعة أدوات الذيل من جانب شركة بوينغ بالاشتراك مع مركز السلاح النووي التابع لسلاح الجو؛ وتصنيع 39 مجموعة من المكونات غير النووية للإطلاق والأمان والتحكم من جانب جامعة كانساس سيتي للأمن الوطني؛ إعادة انتاج المكونات المصنوعة من اليوروانيوم من جانب مجموعة Y-12  في جامعة كانساس سيتي؛ ومصنع Pantex كان مسؤولاً عن انتاج متفجرات عالية الانفجار وإعادة تأهيل B16-pit والتجميع النهائي للقنبلة.

 عند البحث والتدقيق في هدف الإعلان في هذا التوقيت بالذات، ينبغي على المرء استحضار توجهات قيادة هيئة الأركان المشتركة العدوانية، في إبّان عهد الرئيس جون كنيدي المشار إليه أعلاه، من زاوية تغليب توجهات المؤسسة العسكرية على انتهاج سياسات أكثر واقعية في الحقب الزمنية المتعددة.

 ما يواجهه الرئيس جو بايدن من أزمات لسياساته ووعوده الانتخابية ترجمه بالتناغم مع التوجهات التقليدية للمؤسسة العسكرية، الرامية إلى التلويح بالتفوق النووي على خصومها، وتصعيد حدة التوتر باصطناعها أعداء دائمين: روسيا والصين.

 في ظل العقبات الداخلية التي تعترض الرئيس بايدن، حتى داخل حزبه الديموقراطي، لا يمكنه الظهور في موقف «الضعيف» أمام الخصوم، وخصوصاً أن أداءه وأهليته العقلية لا يبعثان على طمأنة الناخب الأميركي، كما تشير أغلبية استطلاعات الرأي.

 فتصعيد التوتر مع روسيا، بذريعة حماية أوكرانيا، يخدم قبل كل شيء هدف واشنطن في الحفاظ على تبعية الدول الأوروبية وحلف الناتو، وخصوصاً بسبب اعتماد الدول الأوروبية على مصادر الطاقة الروسية في تشغيل حياتها اليومية، ويضمن تدفق ميزانيات الأسلحة والمعدات العسكرية على المؤسسات النافذة في صنع القرار الأميركي، وامتداداً يخدم أيضاً تلك القوى في تصعيد موازٍ ضدّ الصين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى