أولى

كلّ الطرق مغلقة

 سعادة مصطفى أرشيد*

تشير الأخبار إلى أنّ طرق السياسة تعاني من حالة انسداد في اتجاهات عدة، مما يعني أنّ مخاضاً يصاحبه قلق وتوتر هو سيد الموقف، وأنّ التعقيدات الداخلية والخارجية التي تعيشها الأطراف، لا تنبئ بولادة مريحة أو بمولود حسن الصحة .

يرى رئيس الحكومة (الإسرائيلية) الجديدة نفتالي بينيت، أنّ على المقاومة أن تدرك أنّ المعادلة قد تغيّرت، من دون أن يوضح طبيعة تلك التغيّرات واتجاهها، والمقاومة بدورها ترى ما يرى، وبأنّ المعادلة تغيّرت، ولكن لصالحها، بعد أن أثبتت بالتجربة قدرتها على القتال والصمود والتلاحم بين فصائلها، ثم بين تلك الفصائل وأهل غزة، الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه. وفي الوقت ذاته أثبتت وهن وهشاشة المجتمع (الإسرائيلي) الذي سيبقى يتملكه الرعب، كلما تذكر اسم «سيف القدس» وصواريخها ولفترة ليست بالقصيرة.

وزير الدفاع بيني غانتس الذي يفوق رئيس الحكومة قدرة وخبرة ومراساً، بحكم عمله الطويل في الجيش ورئاسة الأركان، يرى أنّ (إسرائيل) تحتاج لمنازلة جديدة، فالنتائج غير السارّة (إسرائيلياً)، لمعركة «سيف القدس»، أفقدت (إسرائيل) ردعيّتها، يقول غانتس: «علينا أن نعيد المقاومة عموماً وحماس خصوصاً إلى المربع الذي كانت فيه قبل المعركة. في ما يتعلق بالتهدئة، وفي ما يخص صفقة تبادل الأسرى»، غانتس يريد مفقوديه من دون أن يدفع ثمناً، وإن كان من ثمن، فهو موافقة حكومتهم الأولية على إعادة الإعمار، وهي موافقة إن تمّت فسيخرج علينا لاحقاً وفي كلّ يوم بسلسلة من الشروط الجديدة تجعل من إعادة الإعمار وهماً وسراباً، بكلمات أخرى يريد مقايضة مفقوديه بالسماح لمن دمّر جيشه بيوتهم وحطم محتوياتها، ويؤكد أن لا ازدهار اقتصادياً إلا بالشروط (الإسرائيلية) وأنّ على المقاومة أن تعي ذلك، وإلا فلا مجال إلا الحرب التي سيصل في عنفها إلى مستويات تدميرية غير مسبوقة، وأنها قد تكون الطريق الوحيد كي تعي المقاومة ما يقول تحت النار .

تصريحات كهذه، لم تكن لتصدر عن هؤلاء بعيداً عن واشنطن التي تريد أن تثبت أقدام هذه الحكومة الطينية، فقد أعلنت اعتزالها الملف الفلسطيني أو أنها لن تقوم بأيّ نشاط في هذا الملف من شأنه إضعاف الحكومة. وفي موقف واشنطن هذا تراجع عن ما سبق لها وأعلنته عشية تسلم الرئيس الديمقراطي مهامه، إذ أعلن أنّ حلّ الدولتين الذي خرج من التداول أثناء حكم الرئيس الأميركي السابق، لا زال قائماً وصالحاً لأن يكون قاعدة التفاوض الفلسطيني – الإسرائيلي، وكذلك ما فهم منها مؤخراً أثناء معركة «سيف القدس»، بأنها ترى في إعادة إعمار غزة وضخ أموال في شرايين اقتصادها لخلق حالة من الرخاء والازدهار، قادر على الحيلولة من دون مواجهات جديدة، وأكثر من ذلك، فقد تكون خطوات أولى على طريق إدخال المقاومة في حالة تهدئة طويلة المدى (دائمة)، كمقدّمة لانخراطها في التسويات السياسية.

على صعيد المقاومة، السنوار قدّم نفسه كقائد يلتزم بما يقول، ويصدق وعده ووعيده، وكان قد وعد غزة بإعادة الإعمار وبالازدهار، وألزم نفسه برقم محدّد (1111) وهو عدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيتمّ إطلاق سراحهم في صفقة التبادل، وهو ولا بدّ ملتزم بهذا الوعد الذي لا يريد بينت ووزير دفاعه أن يسمح للمقاومة بأن تلتزم به وينفذ، من جانب آخر فإنّ مصر التي توسّطت لوقف القتال والتي لم تنقطع وفودها الأمنية عن غزة عبر بيت حانون ورفح، قد أخذت تبدي تراجعاً ملحوظاً، فقد اصطدمت بعمق الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني، وأعلنت عن تأجيل الحوار الذي كان ترعاه، ثم ما لبثت أن خفت صوتها في الحديث عن 500 مليون دولار المخصصة لإعادة الإعمار، ولم يعد الإعلام يتحدث عن الآليات المصرية الآتية لغزة، فيما تصل قوافل المساعدات الآتية عبر مصر وقد اختفت محتوياتها او تكاد، خارجياً حصدت حماس والمقاومة ثمار ما زرعت، فقد دخلت السياسة من باب واسع، المبعوثون الأوروبيون والأمميون لا ينقطعون عنها، ملك المغرب ورئيس وزرائه يستقبلونها بكلّ حفاوة، وقريباً في أكثر من دولة محوريّة، حيث يتمّ التعامل معها باعتبارها ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني – وإنْ لم يكن الوحيد، ولم تكن هذه الفرص متاحة لها قبل المعركة .

رام الله تحاول بدورها اللحاق في السباق وإن بدأته متأخرة، لكن انسداد الطرق سيّد الموقف أيضاً، فالإدارة الديمقراطية التي علقت عليها السلطة الآمال قد تراجعت ولفترة قد تطول عن إيلاء الشأن الفلسطيني الاهتمام بعد أن سكتت أصوات الصواريخ، وتراجعت علاقاتها (رام الله) بنصيرها المصريّ، الذي حمّلها جزءاً كبيراً من مسؤولية تعثر الحوار، ولم تستطع زيارات رئيس الوزراء الأخيرة للخارج تأمين دعم مالي أو سياسي، فيما توقف الأوروبيون عن الدفع إلا لبعض القطاع الخاص، وأعلن أحد مسؤوليهم الثلاثاء الماضي أنّ من الصعب عليهم توفير دعم مالي قريب، وساء الوضع أكثر مع انتشار أخبار صفقة طعوم جائحة كورونا التي شارفت صلاحيتها على الانتهاء، ولم يصدر عن وزارة الصحة أو وزارة الإعلام أو غيرهم من مؤسّسات السلطة بيان متماسك يشرح ملابسات المسألة، وها هي تستبدل انتخابات المجالس التشريعية، التي تستطيع إعادة بناء النظام السياسي بالانتخابات المحلية والخدمية، أو بالحديث عن حكومة توافق، فيما يتمّ الإعلان عن البدء بحوار وطني، لا عن تنفيذ ما اتفق عليه في مطلع العام .

هكذا تبدو حالة الطرق السياسية، مسدودة، أما سيناريوات فتحها فهي صعبة وبالغة التعقيد، فلا حكومة الاحتلال الجديدة قادرة على ابتلاع ما ذاقته الدولة أثناء الحرب من مرارة، وهي التي تعيش وضعاً يحتاج إلى إنجاز أمام جمهور ناخبيها، ولا المقاومة بصدد التخلي عن حلاوة ما تذوّقته، بعد أن ثبت لدى الجميع أن تكاليف المقاومة على ثقلها، هي بكلّ حال أقلّ من تكاليف الخنوع والاستسلام، وهو ما بدا جلياً في بيان فصائل المقاومة مساء أول امس الثلاثاء، مصر بدورها لا تستطيع السير بعيداً عن سياسات واشنطن ورغباتها التي كان لـ «سيف القدس» الدور في قبول الإدارة الديمقراطية لمصر من جديد، وما أوكلته لها من دور مرسوم بعناية وهوامش حركة بالغة المحدوديّة، رام الله أيضاً غير قادرة على الاستمرار بالعمل بالسياسات ذاتها التي جرّبت المرة تلو المرة ولم تصل إلى أيّ مكان، حتى عندما كانت الظروف أفضل .

كل هذه الطرق لا تملك الفرص لأن تكون سالكة إلا بصعوبة بالغة، إن لم تكن مسدودة بإحكام، ولا سبيل لفتحها إلا بمنازلة جديدة، لكن لن يشارك بها، ولن يحصد نتائجها، إلا من أراد وعمل على أن يكون طرفاً فاعلاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير – جنين – فلسطين المحتلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى