أخيرة

آخر الكلام

العودة إلى المربع الفلسطيني
يكتبها الياس عشي

 

المشهد الأول
الزمان: مع نهايات القرن العشرين.
المكان: في ظلّ الجدار.
الحدث: مجموعة من أفراد المقاومة الفلسطينية، ومن المواطنين العرب، في حوار افتراضيّ مفتوح مع الحجاج بن يوسف الثقفي.
يتساءل الحجاج: في ظلّ أيّ جدار نقف الآن؟
مواطن عربي: وهل ثمّة جدارٌ غيرُ هذا؟
الحجاج: هذا جدار رفعته “إسرائيل” المغتصبة، وذاك رفعته مصرُ على تخوم أريحا، وذلك رفعه الأميركيون في بغداد. وتسألني: وهل ثمّة جدارٌ غير هذا؟
مقاوم: وماذا تريدنا أن نقول فيما العرب يختبئون وراء هذه الجدران الثلاثة؟
الحجاج: لماذا لا تهدمونها؟ أليس لديكم منجنيق؟ أنا، بمنجنيق واحد، أخرجت ابن الزبير من الكعبة الشريفة، وأرسلت رأسه هدية إلى الخليفة في دمشق.
أحد المواطنين العرب، وقد ضاق بالحجاج: ما زلتَ، كما عرفناكَ، سفّاحاً. لن ننسى أبداً خطبتك في الكوفة عندما أشرت إلى “رؤوس قد أينعتْ وحان قطافها”، وأعلنت “بأنك صاحبها”، و…
الحجاج مقاطعاً: لم تنسَوا؟ صحيح… ولكنكم نسيتم كيف قسّموا بلادكم، ونسيتم تشريد الملايين من شعب فلسطين، ونسيتم كيف حوّلوكم إلى هنود حمر، وإلى عبيد، وإلى سلع.
نسيتم حتى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ونسيتم كلّ شهيد تحوّل إلى قنبلة، وكلّ الشهداء الذين اصطادتهم “إسرائيل” المغتصبة منذ مئة عام، وما تزال. اسمع يا صديقي… المؤامرة واضحة وضوح الشمس، وعلى هذه الأمّة…
المواطن العربي مقاطعاً: تشبيهك المؤامرة بوضوح الشمس قديم ومبتذل.
الحجاج: أعرف ذلك… ولكنه تشبيه لا بدّ منه كي يتذكر العرب بأنّ الشمس ما زالت تشرق لتضيء وتكشف عيوبكم!
وبغضب يتابع الحجّاج:
ستموتون قبل أن تخرجوا من مستنقع البلاغة والفصاحة! كنت أنتظر منكم أن تسألوني عن المؤامرة التي تتعرّضون لها، فإذا بكم تعترضون على تشبيهي المؤامرةَ بالشمس الواضحة. لقد اختلف نحاة الكوفة والبصرة مئات الأعوام حول جنسية وهُويّة (لا)، وتبعهم العرب في ذلك، ولكنهم لم يختلفوا حول جنسية هولاكو، وريتشارد قلب الأسد، ومحمد الفاتح، وسايكس، وپيكو، وغورو، وشارون، وبوش !
المواطن العربي: ماذا تريد أن تقول؟
الحجاج: يقول العارفون بأنّ المخطط الأميركي _ الصهيوني يقضي بأن يتحدّث العرب عن كلّ شيء إلّا عن فلسطين، وأن يقاتل في كلّ مكان إلّا في فلسطين! يحاولون، بكلّ بساطة، إلقاء القبض على الذاكرة العربية، ورميَها بالرصاص.
مواطن عربي آخر: لم أفهم…
الحجاج: لا تريد أن تفهم… إستمع إلى نشرات الأنباء… إنها تنقل لك ما جرى في غزّةَ، وفي أريحا، وفي الضفّة، وتحدّد هُويّة الشهداء: فهذا الشهيد لـ”فتح”، وذلك لـ”حماس”، وثالث… ورابع… دون أن تسمع من يقول: هذا الشهيد لـ “فلسطين”!
الآخر (مقاطعاً): والآن ما هو المطلوب؟
الحجاج: المطلوب أن نعود إلى المربّع الفلسطيني، وألّا نكتبَ سوى عن فلسطين، وعن شهداء فلسطين، وعن كلّ زهرة، وحبّة تراب، وسنبلة، وشجرة زيتون، وشجرة برتقال، وشلال ماء، وغيمة تعيش في ذاكرة فلسطين.
وقبل أن ينهي الحجاج كلامه كان المواطن العربي يدخل، كعادته، في سبات عميق.
(وإلى غد مع مشهد آخر…)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى